الألقاب الأكاديمية والمهنية في حياتنا الاجتماعية

 

 

تعد الألقاب الأكاديمية والمهنية امتيازات شخصية لأصحابها يحصلون عليها عند الوفاء بمتطلبات هذه الألقاب، كالحصول على درجة البكالوريوس في الهندسة أو في الطب، أو إكمال الدارسات العليا والحصول على درجات علمية أكاديمية رفيعة كالماجستير أو الدكتوراه، أو في حالات يتم فيها اجتياز بعض الاشتراطات والاختبارات المهنية التخصصية كالتي تشترطها الهيئات التخصصية مثل هيئة التخصصات الصحية أو الهيئة السعودية للمهندسين، وغيرها من الهيئات، وذلك لأغراض الاعتماد والتصنيف.

والألقاب الأكاديمية والمهنية استحقاقات شخصية تعطي الإنسان مزايا مهنية ومالية تجعله في وضع مهني ومالي أفضل، ولذا تجسد هذه الألقاب الأكاديمية والمهنية طموحاً يسعى الإنسان نحوها لامتلاكها والحصول عليها والاستفادة من مزاياها.

الألقاب الأكاديمية والمهنية هي درجات علمية وآليات قانونية يستثمرها الإنسان للحصول على المزايا التي تأتي معها، وهي غاية بحد ذاتها إذا وضعت في إطارها الصحيح بحيث لا يجب أن يسعى الإنسان نحو هذه الألقاب لمجرد المباهاة والتفاخر على المستوى الاجتماعي، أو للحصول على امتيازات مادية لا يستحقها أو مناصب مهنية لا يفي بشروطها وظروفها، فاللقب الأكاديمي والمهني التزام وانضباط ومسؤولية وأمانة ورسالة، إن لم يكن الإنسان مدركاً لحجم هذا الالتزام وواعياً بشروطه ومؤمناً برسالته فهو لقب قد يتحول إلى وبال على صاحبه وعبء على مؤسسته ورسالة سلبية عن الوسط الذي ينتمي له.

الألقاب الأكاديمية والمهنية لم تعد محصورة فقط في بيئاتها الخاصة، ولم تعد مقصورة على من يحملها في أماكنها المخصصة لها، بل تسللت هذه الألقاب إلى حياتنا الشخصية ومناسباتنا الاجتماعية، وأصبحت جزءاً مرتبطاً بهوية الإنسان وحضوره الشخصي والاجتماعي، حتى لا تكاد تعرف اسم الإنسان المجرد من كثرة ارتباطه باللقب الأكاديمي الذي يحمله ومناداة الناس له بهذا اللقب مُغرماً أو مُرغماً، ولهذا استباح الكثيرون هيبة الألقاب الأكاديمية وتجرأوا عليها وانتسبوا إليها دون أن يمتلكوا أدواتها أو يتلزموا بمعاييرها بسبب القداسة العلمية التي تهيمن عليها والوجاهة الاجتماعية التي تأتي بها هذه الألقاب، حتى بات اللقب الأكاديمي وكأنه منحة للامتيازات الاجتماعية.

لقد أسرف المجتمع في تقديس الألقاب الأكاديمية والسماح لها بالنفاذ إلى تفاصيل حياتنا الاجتماعية، وربما تجد بعض الأكاديميين في المناسبات الاجتماعية يشعرون بالإهانة عند مناداتهم بأسمائهم أو بأسماء الأكبر من أبنائهم مجردة من ألقابهم الأكاديمية؛ لأنهم لم يعتادوا على ذلك.

يقول الدكتور رشود الخريف في مقال له بعنوان «حمى الألقاب العلمية والمهنية» نشر في جريدة الاقتصادية عام 2019: «ولكن الابتذال الحقيقي والأهم والأوسع انتشارا هو استخدام لقب «دكتور» في مقدمة أسماء أساتذة الجامعات في المحيطات الأكاديمية وخارجها، لدرجة تدعو إلى الاشمئزاز أحيانا من فرط استخدامها في أماكن لا علاقة لها بالعمل المهني أو البيئة العلمية والأكاديمية التي يعمل فيها الدكتور».

وخلال العقد الأخير أصبح التضليل في الألقاب الأكاديمية ظاهرة شائعة، وتجرأ البعض على شراء شهاداتهم أو الحصول على ألقابهم الأكاديمية بطرق غير قانونية ومن جامعات وهمية غير معترف بها ولا وجود لها على أرض الواقع، وذلك لإدراكهم أن هذه الألقاب هي منازل اجتماعية أكثر من كونها أكاديمية، وهي سلالم تختصر عليهم الوصول إلى غاياتهم.

يقول عابد خزندار في مقال له بعنوان «حمى الألقاب» نشر في جريدة الرياض في عام 2010: «انتشرت حمى الألقاب انتشار النار في الهشيم، وأصبح وضع الدال قبل الاسم من مقومات الوجاهة والرفعة، وساعد على انتشار هذه الحمى سهولة الحصول عليها من جامعات آسيا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة».

وكما أن الإسراف في استخدام اللقب الأكاديمي خارج الإطار المهني والأكاديمي أمرٌ لا يليق، فكذلك عدم التنازل عن استخدام اللقب الأكاديمي ضمن هذا الإطار المهني والأكاديمي أمرٌ واجب لتحديد هوية الإنسان المهنية ودرجته العلمية والمعرفية، وهذا الأمر لا علاقة له بالتواضع.

يقول الدكتور صالح العصيمي في مقال له بعنوان «الألقاب العلمية بين التواضع وتضخم الأنا» نشر في جريدة الجزيرة عام 2019: «وقد يكون وضع اللقب واجباً كما في البيئة الوظيفية؛ إذ أتذكر أول ما عدت من البعثة عُيّنت رئيس قسم فكنت لا أضع «د.» قبل اسمي حتى في الخطابات الرسمية، فتواصل معي أحد الإداريين مخطّئا إياي وقال وهو محق: هذه بيئة وظيفية يجب أن نعرف فيها مرتبتك الأكاديمية وفيها بروتوكول يجب ألا يخضع لصفاتك الشخصية التي تخالف هذا البروتوكول».

الألقاب الأكاديمية والمهنية امتيازات واستحقاقات طالما هي في محيطها الأكاديمي والمهني، ويجب ألاّ تتسلل لحياتنا الشخصية ومناسباتنا الاجتماعية، أو أن تكون معياراً للأفضلية، فالاحتفاء بالأشخاص في المناسبات الاجتماعية واللقاءات العائلية وإكرامهم يأتي من تقديرنا الذاتي لأشخاصهم بعيداً عن ألقابهم، فكلما تواضع الإنسان ارتفع منزله، «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».

د. خليل اليحيا

كلية الطب

alkhaleel@ksu.edu.sa

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA