مقتطفات من سير ذاتية سعودية حديثة

 

 

أثناء فترة إجازة ما بين الفصلين الدراسيين وبسبب إجراءات مكافحة جائحة كورونا التي أعاقت السفر للخارج؛ وجدت نفسي متجهاً لقراءة أحدث الإصدارات السعودية التي تتعلق بالسير الذاتية لمؤلفين ارتبطوا بجامعةً الملك سعود من قريب أو من بعيد.

القراءة - أعزائي القارئين والقارئات - مثل الكتابة والرياضة، حين تتركها فترة تتكاسل بالعودة إليها؛ واليوم في عهد الثورة الرقمية ولكثرة وسائل ووسائط الإعلام والنشر والتواصل الاجتماعي وعصر السرعة؛ فقد أصبحت قراءة الكتب ثقيلة، ويميل أغلبنا للحصول على المعلومات بشكل «موجز» مثل ما يرد في بث فيديو مختصر عن مواضيع عامة صحية وعلمية واجتماعية وغيرها تصلنا عبر الوتس أب أو وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك ميزة عند قراءة الكتاب المطبوع؛ على الأقل لجيلي وما قبله، وهي أنك تتأمل وتستمع أكثر وتتحسس الأحداث والأفكار والقصص بصورة أكثر وجدانية، مما هو عليه في النسخة الإلكترونية، وحتى لا أطيل على القارىء العزيز؛ سأستعرض ٣ كتب خفيفة بالقراءة ورصد أحداث الماضي القريب من خلال استعراض السير الذاتية للمؤلفين.

 

خواطر/سواليف:

الكتاب الأول أهداه لي مشكورا زميلي في قسم الهندسة المدنية وأخي الأصغر الدكتور أحمد النعيم، وهو من تأليف جده لأبيه الدكتور عبدالعزيز النعيم - أطال الله في عمره وأمد بصحته - بعنوان «حكايتي بعد التسعين»، وقد سبق أن تدرج الدكتور عبدالعزيز في عمله المهني من عضو هيئة تدريس بكلية القانون في جامعة للملك سعود مرورا بهيئة الخبراء وانتهاء بعضوية مجلس الشورى لمدة ثلاث دورات.

يستعرض الكتاب حياة الكاتب منذ ولادته بمدينة عنيزة في منزل مبني من الطين إلى بلوغه ٩٣ سنة من العمر، ويسرد الحياة الأسرية والعلمية والمهنية وتدرجه الوظيفي وما رافق كل ذلك من تطور اجتماعي واقتصادي بالمملكة العربية السعودية.  

فهو على سبيل المثال يذكر أنه فوجئ أثناء أول زيارة له للرياض في بداية الأربعينات الميلادية من القرن الماضي أن أسواق الرياض أصغر من أسواق عنيزة وأقل تنوعا، وهذا - في اعتقادي - ليس مستغربا ليس فقط في عنيزة ومنطقة القصيم بسبب موقعها الجغرافي وطبيعة سكانها  الحيوية، بل أيضا في مناطق الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة بسبب عراقة تجارتها ووجود رجال أعمال وتجار محليين لعدة قرون يزاولون التجارة مع الهند وأندونيسيا وآسيا الوسطى والبحرين والشام ومصر.

 

بلدوزر الإدارة:

ننتقل بعدها لكتاب «بتوقيعي — حكايات من بقايا السيرة» لصاحب السيرة الأستاذ عبدالله بن علي النعيم - أمد الله بعمره وصحته - ولمؤلفه الكاتب المعروف إبراهيم التركي ومشاركون وكلاهما من عنيزة.

وقد سبق أن نشر الاثنان كتاب «الإدارة بالإرادة» قبل ٢٠ عاماً، وحقا هو اسم على مسمى في وصف شخصية الأستاذ عبدالله النعيم الإدارية، وذلك أن كثيراً من القرارت الصعبة والناجحة التي اتخذها أثناء توليه مناصبه التنفيذية المتعددة وأهمها عمله كأمين لجامعة الملك سعود فترة تأسيسها «ويعمل حاليا ٤ من بناته حفظهن الله في الجامعة كعضوات هيئة تدريس، وابنته الخامسة الصغرى طالبة فيها»؛ ومديرا لشركة الغاز الوطنية وأكثرها صعوبة وتحدياً هي توليه منصب أمين مدينة الرياض؛ كانت تُتخذ ارتجاليا وشفويا قبل وأثناء الحدث لحل الأزمة إدارياً، ومن ثم تتبعه الإجراءات الإدارية القانونية؛ مسخرا شعبيته وعلاقاته الاجتماعية ودعم و ثقة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، عندما كان أميرا لمدينة الرياض آنذاك.

يشتهر الأستاذ عبدالله النعيم بكنيته «أبو علي» لبساطته وقربه للناس فهو مرح وصاحب طرفة وحازم في آن واحد، والكتاب أعلاه يكمل الكتاب الأول الذي نفدت عدة طبعات منه بأن يوثق بعض الأحداث والقرارت ويتابع مسيرة الشيخ عبدالله النعيم؛ بعد تركه أهم مناصبه وأكثرها إنجازا بنظري وهي «أمين مدينة الرياض في حينها» ومن أهمها تحديد مواقع جامعات الملك سعود والإمام وكليات البنات «سابقاً» وغيرها من المصالح الحكومية في مواقع رئيسية خارج الرياض أو في أطرافها، إضافة إلى سهولة توزيع منح الأراضي ومعاصرته بناء أول طريق دائري سريع بمدينة الرياض بإشراف وزارة النقل آنذاك، وكذلك انتقال السفارات الأجنبية من جدة إلى حي السفارات بالرياض.

ويختتم الشيخ عبدالله النعيم مسيرته المهنية في أمانة مدينة الرياض بعد أن أصبحت الرياض مدينة حديثة مجهزة ببنية تحتية ومرافق وخدمات بلدية تليق بالرياض كعاصمة كبرى للمملكة العربية السعودية تضاهي العواصم الحضرية الأخرى.  

ولعلي لا أبالغ إذا قلت لو وضع «أبو علي» مسؤولا عن شركة المياه الوطنية منذ نشأتها - وهذا مجرد تخمين - لكنا لا نعاني كمواطنين كما هو الآن من التخبط الحاصل في فوترة المياه وما ينشأ عنها من ظلم وجور، على الرغم من تعاقب ٤ مدراء ودكاترة من المدرسة الحديثة للإدارة.

لقد كان الشيخ عبدالله النعيم صاحب كريزما وشعلة من النشاط والحيوية والجرأة ومواجهة التحديات بالشأن العام، ويطلق على نموذج مثله من المدراء التنفيذين في الغرب «البلدوزر» «Bulldozer» «شيول» باللهجة المحلية، وهو من الشخصيات التي تتسم بضخامة الجسم ونبرة صوت الآمرة، وبمعنى آخر لا يقف أحد أمامه!

 

إنساني أكاديمي:

يختلف هذا الكتاب عن كتابي الأخوين النعيم؛ فمؤلفه يأتي بعدهما بجيلين كما أنه يأتي من أسرة متواضعة الحال ويعتبر من أهالي الرياض القدماء.

يجمع الكتاب بين كفاح المؤلف الأستاذ الدكتور عبدالرحمن المطرف في سيرته «حياتي بين المستشفيات» كوحيد لأمه المريضة وعنايته الفائقة بها إضافة لأبيه الأقل مرضا، وبره بوالديه وإكمال مسيرة حياته الأكاديمية والتي تدرج فيها بتفوق من الثانوية وحتى نيله شهادة الدكتوراه بالصيدلة من كلية طب ومستشفى «جارون كروس» بلندن وتعيينه أستاذاً مساعداً بكلية الطب حامعة الملك سعود، حتى تقاعده حديثا بمرتبة أستاذ.

أعجبني في الكتاب شرح المولف لتخصصات الصيدلة وعلاقاتها بتخصصات الطب وسبب التداخل أو التباين أحياناً في وصف وجرعات الأدوية بين الصيدلي والطبيب، وهذا ما يواجهه المريض في كثير من الحالات؛ وأنا شخصيا شهدت شبه شجار في طوارىء مستشفى الملك سعود بين طبيبة أطفال وصيدلي اختلفا على وصف الدواء، وتحت وطأة بكاء الطفل في عربته ووسط اندهاش والدته والمراجعين، ونحن لا نعلم من هو الأقرب للصواب والأكثر مسؤولية قانوناً لأن الاثنين مجتهدان ومتمسكان برأيهما؛ وهذا الامر من طباع الصنعة الصحية.

وقد نوه المؤلف بجفاء تعامل الجيل الجديد من أعضاء هيئة التدريس السعوديين مع زملائهم وأساتذتهم القدماء في نفس التخصص أو القسم أو الكلية وأنه مختلف عن سلوك جيله الذي كان يكن كل الحب والوفاء لأساتذتهم، ولعلي أضيف أن هذا الشعور موجود في كثير من الأقسام الأكاديمية والجامعات السعودية الحكومية الأخرى.

في الختام، تظل كتابة السيرة الذاتية كما ورد أعلاه أو لشخصيات عامة مثل رجل الأعمال سليمان العليان يرحمه الله ومعالي المهندس علي النعيمي، في الأدبيات السعودية، عبارة عن ذكريات ومواقف تسرد بتسلسها التاريخي، إلا أن هناك استثناءات مثل كتب الدكتور غازي القصيبي الذي مزج بين فن كتابته وأدبه في وصف تجاربه وممارسته الإدارية المتعددة كرجل دولة.

على أنه لا توجد في الساحة السعودية كتابة سيرة ذاتية بأسلوب البايوقرافي «Biography» الشائع في الدول الغربية، والذي هو أكثر إثارة وإفصاحاً عن أسرار غير معروفة من علاقات اجتماعية وتجارية وأسرية وفضائح، إذ عادة تحقق هذه الكتب إقبالا من القراء وتتصدر أكثر قائمة المبيعات «Best Sellers» كما أنها أكثر عرضة للدعاوي القضائية بين المؤلف والشخص الذي كتب عنه أو بين المؤلف وورثة الشخص المعني.

 

أ.د. إبراهيم الحماد

كلية الهندسة - قسم الهندسة المدنية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA