الإنتاج العلمي في تعليم اللغة العربية

 

 

تشهد الحقول المعرفية اليوم نمواً متزايداً في نتاجها العلمي والبحثي، من حيث تنوع الدراسات والمؤلفات العلمية التي تتناول مجالاً معرفياً محدداً بالوصف والتحليل والتفسير والتجريب والمناقشة، والتشعب المستطرد في المجال المعرفي من تناوله بصورة كلية إلى تحليله لجزئيات فرعية عن هذا المجال، ويرجع هذا التشعب إلى توظيف نتائج حقول معرفية أخرى أو التوليف بين حقلين معرفيين أو أكثر.

وفي مجال تعليم اللغة العربية وتعلمها، وجد الباحثون ميداناً خصباً حاز على اهتمامهم، فتعددت المجالات التي تتناولها الدراسات والأبحاث العلمية في تعليم اللغة العربية وتعلمها، تبعاً لتنوع الأهداف البحثية في تلك الدراسات كتنمية المهارات اللغوية، والارتقاء بتعلمية اللغة العربية من خلال تحليل مناهج تعليمها، وتقويم الأداء اللغوي لطلبة المراحل المختلفة، وإعداد معلم اللغة وتدريبه، وتوظيف التقنيات الحديثة والتطبيقات الرقمية في تعليمها، وتجريب الاستراتيجيات التدريسية الحديثة، وتوظيف المداخل والنماذج التدريسية في بناء البرامج التعليمية وتصميم الوحدات وما إلى ذلك.

أما عن المؤلفات في تعليم اللغة العربية وتعلم وتنمية مهاراتها فكثيرة ومتشعبة، حيث انطلقت في البداية من الحديث عن اللغة وتفسيرها، وتحديد مهاراتها الرئيسة، ومداخل تعليمها وطرائق تدريسها واستراتيجيات تعليمها بشكل عام، ثم بدأت في التفرع نتيجة للنمو البحثي في مجال تعليم اللغات، ومجال علم النفس التربوي وتكنولوجيا التعليم، وتأثير نتائجها على استحداث موضوعات متنوعة؛ فأصبحت الأدبيات التربوية في مجال تعليم اللغة العربية تتناول بشكل منفرد الحديث عن المهارات اللغوية الرئيسة «الاستماع، التحدث، القراءة، الكتابة» وتحديد مستوياتها وأساليب تنميتها وتقويمها، وتشخيص الصعوبات التي تواجه تعليم هذه المهارات وطرق علاجها، وتفسير عمليات تعلمها وأنجع الطرق لتنميتها من المنظور النفسي والتربوي.

وتتولى عدد من الجهات والهيئات دعم الإنتاج العلمي والبحثي في تعليم اللغة العربية، نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر - مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز لخدمة اللغة العربية، ومكتب التربية العربي لدول الخليج، فأصدر كل منهما عدداً من المؤلفات القيمة التي تتناول عدداً من الموضوعات الجوهرية في مجال تعليم اللغة العربية، سواء للناطقين بها أو الناطقين بغيرها، وإن غلبت المؤلفات للناطقين بغيرها على سابقتها، مع إتاحة هذه المؤلفات للتصفح الرقمي عبر المواقع الرسمية الخاصة بها، يضاف إلى ذلك ما تنتجه معاهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وما يصدر عن المؤتمرات والملتقيات المنعقدة من كتيبات.

ومن جانب الإنتاج العلمي في تعليم اللغة العربية على المستوى الفردي، فالمتفحص لهذا الإنتاج يجد نوعاً من التكرار والإعادة لبعض الموضوعات، أو بروز موضوعات على حساب موضوعات أخرى، فضلاً عن عدم مواكبة بعض المؤلفات الحديثة لما يستجد في الميدان التربوي من دراسات علمية، كما يلاحظ تقييد النشر الرقمي للإنتاج العلمي الحديث، وفي النادر يلتمس القارئ ضعف وسطحية المعالجة للموضوعات الحديثة، وغيرها من ملاحظات جعلت الجهود المبذولة في سبيل التأليف مشتتة وغير مجدية، واتساع الفجوة العلمية والبحثية بين ما توصلت له الدراسات وبين ما تتضمنه المؤلفات من موضوعات.

إن هذا النمو المطرد والتوسع في الإنتاج البحثي والعلمي في مجال تعليم اللغة العربية، يحتاج إلى اهتمام ودعم وتكاتف الجهات الحكومية والهيئات الدولية ودور النشر لتأطير هذا الإنتاج وتنظيمه، وتوحيد الجهود وتوجيهها تجاه الموضوعات البحثية الحديثة، وتوفير قاعدة بيانات رقمية خاصة بمؤلفات تعليم اللغة العربية وبخاصة الحديثة منها؛ لتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها، متجاوزين حدود المكان والزمان، حتى يتسنى للمقبلين على التأليف والباحثين في مجال تعليم اللغة العربية الاطلاع على الموضوعات المتناولة، وتناول موضوعات جديدة أو معالجتها من زوايا مختلفة.

 

أمل عبيد الطويرقي

باحثة دكتوراه في المناهج وطرق تدريس اللغة العربية – جامعة أم القرى

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA