الجامعة والاستثمار الرياضي

 

 

خلال السنوات العشر الأخيرة كان واضحاً اهتمام الجامعة بالاستثمار، فبدأت بالاستثمار في مجال البنى التحتية حيث أوقاف الجامعة التي تتكون من سلسلة من المباني الأنيقة على الجانب الجنوبي الغربي للمدينة الجامعية. كذلك افتتحت الجامعة بعض المراكز الطبية والبحثية التي تخدم خططها الاستراتيجية، وعملت على توسيع المستشفيات الجامعية، وأنشأت المواقف ذات الأدوار المتعددة للسيارات، وقامت مؤخراً بتشييد المجمعات التجارية والمرافق الترفيهية، حتى تقلصت كثيراً مع هذه المشاريع الاستثمارية الأراضي البيضاء التي كانت تشكل نسبة كبيرة وتحتل مساحات شاسعة من المدينة الجامعية.

ومن ضمن الأهداف الاستثمارية للجامعة، الاستثمار في المجال الرياضي، حيث بدأت في بناء الاستاد الرياضي الذي تم افتتاحه في منتصف عام 2015 في تجربة اعتبرها البعض مغامرة قد لا تكون ناجحة بسبب اكتفاء مدينة الرياض بالملاعب الرياضية، وعزّز من هذا الاعتقاد بقاء الاستاد سنتين تقريباً دون استثمار، حتى تم توقيع عقد استثماري في العام 2017 مع إحدى الشركات لمدة ثلاث سنوات بمبلغ إجمالي 15 مليون ريال، وهو مبلغ زهيد جداً بالمقاييس الحالية وذلك بالنظر إلى أناقة التصميم والموقع الجغرافي ومحاكاة الاستاد للملاعب الأوروبية، لكنه كان رقماً مقبولاً وقتها كأول عقد استثماري للجامعة في المجال الرياضي.

هذا العقد الاستثماري كان ناجحاً من الناحية العملية والرياضية على اعتبار أن المستفيد من هذا العقد كان نادي الهلال المنافس الرئيسي في الدوري السعودي والضيف الدائم في البطولات الآسيوية، والذي ساهم بشكل غير مباشر في تسويق اسم الجامعة إعلامياً في المنافسات الرياضية المحلية والمحافل الآسيوية.

بعد ذلك وقعّت الجامعة عقداً آخر مع شركة أخرى بمبلغ استثماري ضخم جداً قيمته 230 مليون ريال لمدة عشر سنوات، وأصبح المستفيد من هذا الملعب في توقيع العقد الثاني نادي النصر المنافس لنادي الهلال على البطولات المحلية.

هذا التنافس على الاستاد بين اثنين من أكبر الأندية في السعودية من حيث الشعبية والبطولات ساهم في تسويق الاستاد بشكل رائع، وتضاعف مبلغ العقد بشكل كبير جداً مما يعني النجاح الباهر لفكرة الاستثمار في المجال الرياضي، وساعد على نجاح هذه الفكرة تعثر الملاعب الرئيسية في مدينة الرياض من وقت لآخر بسبب أعمال الصيانة والانشاءات ومعالجة وضع الأرضيات التي لا تُقارن بأرضية استاد الجامعة.

وامتداداً لنجاح فكرة الاستثمار الرياضي، تعمل الجامعة الآن على وضع اللمسات الأخيرة للمجمع الرياضي «الأرينا» والمُصمم بشكل يتماشى مع متطلبات الاتحاد الدولي لألعاب القوى والمهيأ تماماً لاحتضان المسابقات الرياضية المحلية والدولية، واحتوائه على مرافق عديدة تشمل المسابح والقاعات الرياضية وصالات الجيم.

القراءة المتأنية للمشهد الرياضي تؤكد أن الاستاد والمجمع الرياضي سيلعبان دوراً مؤثراً وحيوياً في دورة الألعاب الآسيوية في عام 2034، وكذلك في بطولة كأس آسيا 2027، وذلك في حال نجاح الملف السعودي في استضافتها، وهذا يُعزّز مرة أخرى من نجاح الجامعة في موضوع الاستثمار في المجال الرياضي، وهذا النجاح ليس مرهوناً فقط بالقيمة المادية، بل يتجاوز ذلك إلى القيمة المعنوية والاعتبارية التي ستعمل على تسويق اسم الجامعة ومرافقها وموقعها الجغرافي إعلامياً على المستوى الإقليمي والآسيوي، وهذا بالتأكيد نجاح يُضاف إلى نجاحات الجامعة وشهرتها وقوتها على المستوى الأكاديمي والعلمي والذي سمح لجامعة الملك سعود من أن تكون ضيفاً دائماً في المراكز المتقدمة في التصنيفات الدولية.

لقد اتجهت معظم الأندية الأوروبية الكبيرة إلى بناء ملاعبها الخاصة واكتسبت تلك الملاعب شهرة كبيرة لارتباطها بأسماء الأندية التي تملكها مما ساهم في تنافس الشركات الكبيرة على رعايتها لربط أسماء الشركات ذهنياً في عقلية الجماهير بنجاحات تلك الأندية الرياضية، فملعب العملاق الألماني بايرن ميونيخ هو برعاية مجموعة أليانز الألمانية للخدمات المالية، وملعب نادي الأرسنال برعاية الخطوط الإماراتية، وملعب مانشستر سيتي برعاية خطوط الاتحاد.

كذلك تتلخص فلسفة الشركة الأمريكية نايكي «Nike» للملابس والأحذية والمعدات الرياضية على رعاية المنافسات الرياضية والنجوم الرياضيين كخيار رئيسي للدعاية والإعلان بدلاً من الدعاية المباشرة لمنتجاتها، وهذه الفلسفة ساهمت بشكل كبير في ربط الشركة ذهنياً وبشكل إيجابي بشعبية النجوم التي ترعاهم، وبأسماء المنافسات الرياضية التي تشارك في رعايتها، وهذه الفلسفة ساعدت الشركة الأمريكية على أن تتصدر قائمة الشركات المؤثرة في المجال الرياضي والاقتصادي.

تنسجم جامعة الملك سعود في موضوع الاستثمار الرياضي مع هذه الفلسفة وتسير باتجاهها، إذ لم تعد الجامعة في ذهنية الجماهير وأفراد المجتمع تلك المدينة الأكاديمية التي تقع في الجهة الغربية من الرياض ولا يرتادها سوى طلابها ومنسوبيها والقاصدين لمستشفياتها، بل أصبحت المدينة الجامعية التي تحتضن المسابقات الرياضية والمباريات الدولية والفعاليات الترفيهية والأسواق التجارية والمشاركات المجتمعية، مما ساعد في توسيع قاعدتها الجماهيرية وتألق صورتها الذهنية عند تلك الجماهير بمختلف ميولها وهواياتها وأهدافها ورغباتها وتوجهاتها.

 

د. خليل اليحيا

كلية الطب

alkhaleel@ksu.edu.sa

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA