أحكام خاطئة

اعترت أخطاء عدة أحكاماً صاغها كثيرون في أقوالهم العامة التي تفتقد إلى البيان والتدقيق، مقتضاها أنّ الجهود العلمية مقصورة على العلماء القدامى دون أن يكون النصيب منها للمحدثين. وأنا أظن أنه لا يصح إصدار مثل هذا الحكم الجازم، بل لا بد من التدقيق والتمحيص في ذلك؛ لأنّه إن صح حيناً فلا يصح أحياناً كثيرة لأسباب يطول شرحها؛ إذ كان المقام لا يتسع للكلام عنها، إنّ المعيار الفنّي لم يوافق على مثل هذا الحكم؛ لأنّه يغلق باب الإبداع والتفكير والتجديد، ويفتح أبواب الاتباع والتقليد التي لا تُغني من الحق شيئاً.

ليس من أدنى شك في أنّ الجهود التي بذلها القدامى مرجعًا للمحدثين ولا جرمَ أن الفضل للمتقدم، ولكن ليس مما ينطبق مع الواقع عموماً والطابع الأكاديمي خصوصاً انشاد جهود القدامى وتهميش جهود المجدّدين؛ إذْ إنّ الجهود للفريقين كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، فإن كان القدامى انتهوا إلى العلم بغاياته ففي الوقت نفسه لهم وفقات أخرى يتضاءل فيها جهدهم، ومن الواجب في هذه الحالة أن يُدلي المحدثون دلوهم ببذل مجهوداتهم ليرقي الجهد القديم إلى المستوى العالي؛ فإنّ الوعي الجديد بمتغيرات الحياة العلمية والمستجدات الحضارية صقلٌ لملكتنا النقدية.

   وللتجلية الحقيقية بما نحن في صدده لا بد من النظر فيما تناوله النقاد عن قضية نقدية أدبية مهمة «الصراع بين القديم والحديث» ولعل ابن قتيبة من النقاد الذين عالجوا هذه القضية بالطريقة الدقيقة الواضحة؛ إذ كان هو في موقف التوسط والاعتدال بين القديم والحديث وقال: «ولا نظرت إلى المتقدم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كلاً حقه» ومن المؤكد أن نرى واحداً «نيكلسون» من المستشرقين يمدح ابن قتيبة على هذا الموقف وقال: «يعتبر ابن قتيبة أول نقاد له أهميته يصرح بوجوب وضع الشعراء القدماء والمحدثين في ميزان نقدي واحد دون النظر إلى عصورهم»

    ثم تبع أبو عثمان الجاحظ ابنَ قتيبة في هذا الموقف وقال: «إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول لآخر شيئاَ فاعلم أنه لا يريد أن يفلح» والمتأمل لهذا القول يجد أنّ الجاحظ من النقاد الذين توسطوا بين القديم والحديث. ومن أجل هذا يمكن القول إنّ كل من نصر جهود القديم على الحديث فكأنّ من اعتقد طيران الطير بجناح واحد فلا يمكن ذلك أبداً، وفي الوقت نفسه من نصر جهود الحديث على القديم فكأنّ من أزال العلم عن جهته، وأحاله عن طبيعته.

  ومما يسلّط الضوء على هذا القول ما قاله ابن الأثير «ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع منْ قصرَ نظره على الشعر القديم؛ إذْ المراد من الشعر إنّما هو إبداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل واللطيف» أفادنا كلام ابن الأثير بأنّه لا بد من الاستفادة من كلام القدامى لكن ليس بأسلوب الإتباع؛ إذ كان من الضروري الاستقصاء في الأمر.

    ولم أقل هذا الكلام تبرُؤاً من الوهم ولا الاعتماد على صحة الفهم، ولكن سأضع أمامكم مزيداً من هذه الأفكار الخاطئة وسأحاول أن أدقق في عرضها.

        يقول بعض: فلانٌ أكثرُ من غيره علماً، ولا مثيل لبراعته في العلم؛ لما سطر له التاريخ من ذكر حسن، هذا حكم مطلق، وعام لم يتناسب مع المعيار الفني في الحقل المعرفي. لا أحد ينكر أن الحركة العلمية -بذكر مزايا عالم والاطلاع على ما كتب قلمه- هي التي تعطي العلوم منازلَها، وتبيّن مراتبَها، وتكشف عن صورها المكنونة، لكن ليس بإسراف في مدح عالم ولا بإغراق في هجاء آخر.

    أمهِّد الحديث عن هذا القول بما قاله دغفل: «كان امرؤ قيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب» ومما شدّ انتباهي، ووجّه نظري إلى هذا القول لا لما يفيده من الألفاظ المزخرفة التي يتلذذ بها المتلقي نتيجة من النغم الموسيقي، ولكن تأييداً بما نحن في صدده؛ إذْ من الواضح البيّن من خلال هذا الكلام الذي أورده دغفل بأن يكون المعيار الفنّي هو الذي يحكم ويقيّم ويضع حد الفاصل بين الفنون التي برع فيها العلماء لا بالحكم المطلق الذي يستوجبه النظر السياسي، ولا يخفى على أحد علو قدر كل من هؤلاء الشعراء المذكورين أعلاه مع ذلك لم يُفضَّل أحدٌ على آخر، مما لا شك فيه أنّ النابغة تضرب له قبة  حمراء من آدم ويأتيه الشعراء الآخرون بما فيهم الأعشى -الذي ذُكرت ميزته الفنية ضمن أشعر الشعراء- ليعرضوا عليه أشعارَهم لينتخب أشعر من قال في ذلك العام، مع هذا كله لم يعدّ أنصار النابغة أشعر من غيره على الإطلاق كما هو الحال عند أصحاب القول المشار إليه : «فلانٌ أكثر من غيره علماً».

    سأَعرض أقوال النقاد العرب الذين أسهموا في تناول قول دغفل السابق، ومنهم  العسكري؛ إذ يقول: « كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. وكذلك الكاتب ربما تقدّم فى ضرب من الكتابة وتأخّر فى غيره، وسهل عليه نوع منها وعسر نوع آخر» يجد المتأمل لما قاله العسكري ألا يستوعب أحد من العلماء جميع الفنون؛ إذْ لو تقدم في فنّ يتضاءل في آخر هكذا الحياة العلمية. وهناك صدى ابن الأثير في هذا الإطار؛ حيث يقول» فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب»  يتبيّن من هذا القول أنّ المعيار الفنّي لم يسمح لأحد أن يفضّل أحداً على غيره من العلماء.

    ومن الجدير بالذكر أنه كانت مؤاخذات أساتذتنا الدكاترة -في قسم اللغة العربية بجامعتنا العريقة جامعة الملك سعود- على أبنائهم الطلبة عند مناقشة رسائلهم إيرادهم الأحكام العامة والصيغ الجازمة، بدليل أنّ المنطلق العلمي بمنأى عن هذه الفكرة الخاطئة.

    قد يعترض البعض عن هذه الحجة الدامغة التي تدعو وتنصح بالتخلص من هذه الفكرة الخاطئة بحجتهم أنّ الشعر العربي لا قيمة له ولا يفيدنا في هذا الصدد، وأُجيب أن الشعر العربي من أقوى المصادر التي استند إليها فهم ديننا الحنيف؛ لأنه لا يخفى كيف استنبط العلماء المفسرون بعض المعاني القرآنية الذي يعيننا لفهم هذا الدين من الشعر العربي، وقد يختبئُ بعض وراء حجتنا ليقول لا يصح إذاً تفضيل صحيح الإمام البخاري وقد تبيّن  اختصاص الكتاب بالصحة أكثر من غيره.

وفي آخر المطاف لم تغب أنفاس مثال أوروبي في هذا الصدد بقولهم:»إذا لم يزر أحدٌ غير حديقة أبيه يقول: لم أرى حديقةً أحسنَ منها، أحثُّ نفسي أولاً  وغيري ثانياً من طلاب العلم على الالتزام بالتصور العلمي والفني قبل إصدار الحكم على عالم، أو تفضيله على الآخر. 

حسين عبد النافع أبانكندا 

كلية الآدب بقسم اللغة العربية 

 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA