اللغة العربية ثرية بذاتها

تبدو اللغة العربية من أجل نعم الله تعالى الخالدة على أمة الإسلام حيث ضمن سلامتها وووعد بحفظها وبقائها ببقاء القرآن الكريم الذي هو دستور المسلمين في كافة أنحاء العالم. لقد تميزت اللغة العربية عن نظائرها بممزات كثيرة تدل على صدق وعد الله بشأن هذه اللغة . ولعلنا في الفقرات التالية نختصر الحديث عن جمال اللغة العربية في ميزتين عظيمتين من مزاياها البارزة ، وهما :

الثراء المفرداتي :  يشار إلى اللغة العربية بأنها لغة ثرية بذاتها ، بحكمها لغة غنية في أنظمتها المتشابكة (صوت ونحوا ومفردات ودلالة ) لتعرب عن مجموعة من الأفكار والرؤى والمفاهيم لأهلها وللناطقين بغيرها على الرغم من  طبيعتها التعقيدية والتجريدة. والعربية منذ القدم قادرة على التعبير عن الميول والمعاني والقيم الأخلاقية بل وحاضنة للتطورات المستمرة في  الحياة والعلوم وربما لسعة ألفاظها(صالح المنجد) وديناميكة قواعدها النحوية – صرفية والمسؤولة عن ضبط الصيغ والدلالات. ومن ثم، نتلمس بشكل واضح  مرونة اللغة العربية في سرد القصص والروايات في القرآن الكريم والحديث النبوي وكذلك حكاية كلام العرب وأخبار الأمم الأخرى. 

الإعراب : وفضلا عن الثراء المفرداتي للغة العربية، نجد قوة ثراء آخر على مستوى المعاني والمفاهيم  حيث  يظهر هذا الجمال عادة في الجوانب الإعرابية الخاصة بالجمل والتراكيب النحوية .  فاللغة العربية تتميز بميزة  الإعراب لتغيير معاني ومقاصد المتكلم حسب المقامات التواصلية وربما تتحول تلك المعاني بناء على حركات أواخر الكلمات . فقولك : كيف أنت ومحمد بضم حرف الدال ، يختلف معناه عن قولك : كيف أنت ومحمدا ؟ فالأول للاستفسار عن الأحوال ، والآخر للسؤال عن العلاقة بين المخاطب وصديقه محمد. ومثال آخر،عندما أقول : لا يخرج قاسم إلى الملعب ، فإن هذه العبارة تحتمل نهي قاسم من الخروج إلى الملعب بوجه إذا كان الفعل (يخرج) مجزوم الآخر ، كما أنها تحتمل نفي وإنكار خروج قاسم إلى الملعب بوجه آخر إذا بقي الفهعل (يخرج) مرفوعا بضم الجيم . ولذلك تلاحظ معي أخي القارئ تلك التغييرات التي تطرأ على المعاني بسبب تغير حركات أواخر الكلمات مما تسهم بدورها في اتساع المعاني والإشارات. ولا يخفى ما للنحو العربي من شحنات مفاهيمية حول الإعراب، خاصة ما يتصل  بمذهب النحو التحويلي الذي أشار إليه تشومسكي ١٩٦٥م لفهم البنى اللغوية بشكل عام ، والتمييز بين التراكيب النحوية السطحية والتراكيب العميقة .

وإذا كانت اللغة العربية بالحجم الضخم من الثروة المادية والجمال المذكور ، فلنا أن نستثمر ذلك الثراء في تعزيز التواصل بالشعوب الأخرى المتطلعة بشكل دائم إلى الاستئناس باللغة العربية في شتى المجالات الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإيديولوجية وغير ذلك.

 ومن المهم أن نشير كذلك إلى أن تعزيز التواصل بالشعوب الأخرى من خلال بوابة اللغة العربية يقتضي العمل وفق أسس وإجراءات عملية منتظمة، أهمها:

أ- الإحياء اللغوي: وهذه النقطة مهمة جدا في ما يتعلق بتعزيز هذه اللغة والتي نحب أن تظل وسيلة تواصل نوعية بين العرب والشعوب الأخرى. وينطلق الإحياء اللغوي عادة بحافز الحفاظ على الهوية والتراث والقومية. ونقيض الأمر قضية نفور بعض أبناء اللغة العربية من اللغة نفسها بدعوى باطل وطعن في قدرتها الجبارة والذي نراه ينافي جمالها ويعكس كراهية وجفاء تجاهها، على الرغم من أنها لسان مشرف بشرف القرآن الكريم. ومن ثم ، فمتى ما أساء العرب إلى العربية شكل ذلك موقف سلبيا لدى محبيها ومتعلميها وربما ولد إحجاما في الولع بها في نفوسهم .

ب- تحديث المفردات: وهذا يخص استحداث المفردات أو تكييفها لتناسب البنية اللغوية للمفاهيم والأفكار المقترضة من اللغات الأخرى ، ولتبقى العربية بموادها وألفاظها على صلاحيتها في تلبية حاجات المستخدمين من العرب وغيرهم .. وتشمل عملية التحديث الجهود المبذولة من أجل تنقية هذه اللغة من الانحراف والشوائب.

ج- نشر اللغة العربية : هذا الجانب مهم للغاية خصوصا في تمكين العربية من التواصل بالشعوب الأخرى؛ ذلك لأن الجهود متى ما بذلت لنشر لغة ما ، ساهمت في زيادة المتحدثين بها وأدت إلى توسيع دائرة الأخذ والرد بين اللغتين بثقافتهما.

د- المساندة: تحتاج العربية إلى مساندة ودعم متواصلين للقائمين على نشرها وتعليمها في كافة أنحاء العالم، وذلك لتعزيز انتمائهم لها ودعوة الفئات الأخرى من الناس إلى التعامل بها .

أما الحديث عن شعوري وأنا متقن اللغة العربية –ولله الحمد – فهو شعور فوق الوصف ، ينبئ عن قناعتي الرائعة تجاه اللغة العربية ، وبوصفي دارس حاليا في كلية معهد اللغويات العربية مرحلة الدكتوراه في قسم اللغويات التطبيقية، جامعة الملك سعود، لأصبح متخصصا في اللغويات التطبيقية العربية ومرجعا في إحدى مجالاتها الرائدة في المستقبل القريب.

وويبقى احترامنا لمعهد اللغويات العربية وأعضاء مجلسه –حفظهم الله - وفاء سعيهم الحثيث في تعزيز اللغة العربية من خلال تعليمها لغة ثانية بالرياض، وإعداد المعلمين الوافدين إلى المملكة العربية السعودية ليصبحوا خير سفراء في تداول هذه اللغة الجميلة ونشرها. ولا شك أن دور المعهد مما لفت أنظار العالم إلى شحذ الهمم لإعادة الكرة في تعلمهم هذه اللغة وترشيح معلمين لصالح التدريب اللغوي الفريد.

بياناتي :

عبد السميع ألوافيمي مفتاح الدين

معهد اللغويات العربية

دكتوراه الفلسفة في اللغويات التطبيقية

 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA