جمالية حروف اللغة العربية في اللوحة التشكيلية

 

 

تعد اللغة العربية من أقدم اللغات في العالم ، فهي لغة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ،كما أنها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم فهي لغة التخاطب بين المسلمين العرب وغير العرب ،تتميز اللغة العربية بأصالتها وجمال حروفها ورشاقة انحناءاتها ونقاطها التي تثري أشكال الكتابة .استخدمها الفنان التشكيلي العربي والمسلم  ليضفي على أعماله قيما تشكيلية وتعبيرية أثرت أعماله بكل أساليبها وتقنياتها وخاماتها لتسبح في محيط ومسطح أو مجسم العمل الفني .ولازال التصوير التشكيلي من أهم الفنون في العالم الذي يعتمد في طرحه على أسلوب الفنان وفكرة العمل التي إذا بنيت بمعاييرها الصحيحة وصل الفنان إلى التصميم الناجح للوحة التشكيلية ،ليضيف قيمة فنية عالية للعمل الفني تكتمل باختياره للتقنيات التشكيلية المناسبة والمعبرة عن مضمون العمل الفني وكذلك المواضيع الفنية التي يستمدها الفنان من مصادر مختلفة على رأسها التراث الشعبي والموروث الثقافي والهوية العربية والإسلامية كالفن الإسلامي والخط العربي التي تميزت على مر العصور بأصالتها وقوتها في الطرح كونها جزء أساسي من الهوية العربية والإسلامية وعبرعنها الفنان بتقنيات تعبيرية مميزة شملت التنويع في استخدام الخامات الفنية والرموز التعبيرية تشكيلياً والتنويع في تطويع اللون بصريا لاستحداث ملامس سطحية مبتكرة من خلال تقنيات تشكيلية عديدة أثرت مجال التصوير التشكيلي المعاصر ، كما أن التقنية التكنولوجية الحديثة مكنت الفنان التشكيلي المعاصر بالبحث عن تقنيات تشكيلية معاصرة وتجريب مداخل مختلفة وطرق عديدة للاستفادة منها في إثراء سطح العمل الفني كالاستفادة من الحاسب الآلي وبرامج التصميم الرقمية مثل الفوتوشوب والإليستريتور وبرامج الخط العربي التي تضمنت جميع أنواع الخطوط العربية كبرنامج الكلك والفونتوجرافر التي ساهمت بدور فعال في ابراز مهارات الفنان التشكيلي رقميا في استحداث تقنيات تشكيلية رقمية بإستخدام الخط العربي حيث مكنت التكنولوجيا من اكتشاف أنماط جديدة للخط العربي مكنت الفنان التشكيلي والخطاط العربي في معرفة قياسات أنواع الخطوط الأساسية كالخط الديواني والنسخ والثلث والرقعة والكوفي وميزانهم ونسبه المحددة ، كما مكنت أيضا من معرفة أنواع الخط العربي كمداخل تجريبية لحلول تشكيلية مبتكرة لسطح العمل الفني مع إمكانية دمج عدة مداخل تجريبية في مجال التصوير التشكيلي باستخدام برامج التصميم والخط ، حيث أن التشكيل بالخط العربي فن مميز من أهم سمات فنون الحضارة الإسلامية وسيظل كذلك نظرا لتميزه وتفرده بخصائص تميزه عن بقية الخطوط الأخرى في اللغات المختلفة نظرا لقابلية التشكيل به والقدرة على تطويع الحرف العربي في إضفاء لمسات خطية للوحة التشكيلية المعاصرة.

    ومن أمثلة الفنانين الذين أدخلوا الحروفيات العربية في أعمالهم نجد الفنان عبدالله الرشيد حيث نرى في شكل (1) الخيل العربية مرسومة بوضع جانبي جردها من التفاصيل ليضفي داخل عنصر الخيل حروفيات عربية مزخرفة يكررها بأوضاع ومقاسات  مختلفة  شكّل بها جسم الخيل بقتنيات الفرشاة الجافة كما استخدم تقنيات البصمة بأشكال مختلفة ، وفي أسفل  اللوحة من جهه اليمين نرى أيضا أسلوب تقنية التكميد والتمشيط الذي عمد الفنان أن يبرزها ليعبر عن أرجل وحركة الخيل السريعة ،لون الخلفية في الجزء العلوي باللون البني الفاتح ،أما الجزء السفلي فعمد الى استخدام اللون الأخضر الغامق ليعطي اتزانا وعمق في خلفية العمل ،بينما غطى اللون البني والاخضر بدرجاتهما مع الأبيض رأس الخيل .وحين النظر الى العمل الفني نرى جمالية الحروف العربية التي اكسبت اللوحة تناغما وايقاعا واتزانا حيث ربطت بين أعلى وأسفل اللوحة ، كما أن رشاقة خطوط الحروف العربية وانسيابها بين أجزاء العناصر أضفت قيما تعبيرية على مسطح اللوحة التشكيلية .

      أما في شكل (2)  نرى الفنان عبدالعزيز العمري وقد صور الخيل بأسلوب تجريدي رسم الخيل  بشكل جانبي من اليمين ،ملأ جسم الخيل بالحروف العربية بخوط منحنية  ليجسد بها راس واعلى جسم الخيل ؛استعان باللون  الأزرق ودرجاته في تلوين الخيل مع قليل من اللون البرتقالي والاحمر. أما الخلفية استخدم اللون البيج والاصفربدرجاتهما لتغطية مساحتها ليحقق الظل والنور والاتزان بين عناصر اللوحة ، كما يتوسط الخلفية شريط مستطيل بداخله مربعات ملونة باللون البني والاحمر ويجاورها مستطيل اخر باللون الرمادي ، والفنان هنا عمد على إيجاد ايقاعا وتناغما في الأرضية مابين الألوان الحارة والباردة .كما أن استخدام الخطوط المنحنية والمستقيمة والتبادل بينهما حقق اتزانا وايقاعا متناغما بين الأرضية والخلفية في عناصر العمل الفني .

     والمتأمل للعملين نجد مدى تمكن الفنانين في دمج الحروف العربية مع عنصر الخيل مما أكسب اللوحة قيمة جمالية وتشكيلية استطاع من خلالها الفنان تحقيق قيما تعبيرية تصل لذائقة المتذوق للعمل الفني . كما أن الحروف العربية اكسبت اللوحة التجريدية الخالية من الملامح والمعبرة بالأسلوب جمال ورشاقة الخيل العربي الأصيل ، واستشعار حركاته ونظراته. كما يتبين مدى قدرة وتمكن الفنان من استخدام ادواته ليظهر مجموعة من التقنيات المتعددة على سطح هذه اللوحة .تمكن الفنانين  في توصيل هذه المفاهيم من خلال تكوين متناغم نابض بالدفْء والاحتواء ،بأسلوب الفنان وتقنياته اللونية المميزة و اللمسات البارزة التي تضيف بُعد جمالي وتقني على سطح اللوحة ،ذلك الأسلوب المتناغم الرقيق النابض بالحركة والحياة المتجانس بألوانه والمتعدد بأساليبه وتقنياته , الذي يُظهر عمق تجارب الفنان في هذا المجال .

د.مها محمد السديري 

قسم تربية فنية 

كلية التربية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

التحقق البصري
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA