الترشيد بين التقتير والتبذير

 

الترشيد في المعاجم العربية لفظ مشتق من جذره: رشد، ويأتي منه أسماء كثيرة منها: راشد ورشيد وترشيد، وأفعال مثل: رشَد ورشَّد ُوأرشَد ويُـرشد، على وزن فعل، يفعل، فاعل، وتفعيل. ومنه أيضًا «الرشد» الذي هو سن البلوغ، حيث يبلغ الفتى سن الرشد بحيث يكون راشدًا وقادرًا على وضع الأمور في نصابها، ومؤهلاً لاكتساب الحقوق، ومكلفًا بتحمُّل الالتزامات، وهو من دلائل الحكمة والرشاد، حيث قال الله تعالى: «أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ» ‎﴿هود: ٧٨﴾ دليلًا على رجاحة العقل ورصانته واتزانه. وقديمًا قالت العرب: «البلاغة هي الإيجاز» أيْ الاقتصاد في الكلام، وقالوا أيضا: «خير الكلام ما قل ودل». ولقد جاءت شريعتنا الحنيفية الغراء بالسماحة واليسر والرحمة والوسطية والاعتدال في جميع الأمور، وحاربت كل غلو وتطرف وأيَّ فساد أو إتلاف يضر بالفرد أو المجتمع في القول والعمل، وهي تحافظ على كرامة الإنسان ومكتسباته، وتدعو إلى الاقتصاد والترشيد في جميع الحالات. وإن من شُكر النعم المحافظة عليها والتعامل معها بحكمة وحرص وحصافة وتعقل واتزان، قال الله تعالى: «وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» ‎﴿ابراهيم: ٣٤﴾‏، وقال تعالى: «وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» ‎﴿النحل: ٥٣﴾‏، كذلك قوله تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ» ‎﴿ابراهيم: ٧﴾‏، وقوله تعالى فيمن يكفر بالنعم ولا يقيم لها وزنًا أو قدرًا: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‎﴿النحل: ١١٢﴾،‏ وقال تعالى في قوم سبأ الذين أُعطَوا كل ما يتمنوه ويطمحون له من نعم وخيرات؛ بيد أنهم انقلبوا على تلك النعم ولم يحسنوا شكرها والانتفاع بها والحفاظ عليها: «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ» ‎﴿سبإ: ١٥﴾‏ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ» ‎﴿سبإ: ١٦﴾‏، ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ» ‎﴿سبإ: ١٧﴾‏. كذلك أرشدنا ديننا الحنيف إلى آداب وسلوكيات وفضائل ومناهج كثيرة تؤدي إلى تنمية الموارد والمحافظة على البيئة والنظافة وغرس الأشجار والاقتصاد في الأكل والشرب واللبس واستهلاك النعم والموارد. وديننا الحنيف يدعونا إلى النظافة في البدن والثوب والمسكن، وإن المسلم ليس حرًا في كسبه للحرام، وليس حرًا في إنفاق ماله حيثما شاء وفي جميع الوجوه؛ بل بضوابط شرعية وشروط مرعية. وحيث إن الإنسان مفطور على جملة من االرغائب والغرائز والميول فقد ربط الإسلام الصرف والإنفاق بسلوكيات منضبطة كي تتحقق مصالح الأفراد والجماعات في الحاضر والمستقبل، والإسلام لا يقف في وجه هذه الرغائب والغرائز ولا يتجاهلها؛ بل يهذبها وينظمها ويوجهها إذا ما انحرفت عن الطريق السوي، كما في قوله جل وعلا: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا» ‎﴿الفرقان: ٦٧﴾‏. وقال عز من قائل: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ‎﴿الأعراف: ٣١﴾‏، وقوله تعالى لتبيان المنهج الرباني في الوسطية والاعتدال: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» ‎﴿البقرة: ١٤٣﴾‏، وقال تعالى في ذم التبذير والمبذرين: «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا» ‎﴿الإسراء: ٢٧﴾‏، كما نهى عز وجل أيضًا عن الشح والتقتير والإمساك وحث على الصرف المتوازن والإنفاق المعتدل وذلك في آيات كريمة منها قوله تعالى: «لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا» ‎﴿الطلاق: ٧﴾‏، وقوله تبارك وتعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‎﴿التغابن: ١٦﴾‏، وكذلك: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» ‎﴿المائدة: ٨٧﴾‏. وبذل المال ينقسم لقسمين: واجب شرعي، وواجب عرفي، فأما الواجب الشرعي فهو مثل الزكاة والكفارات ونفقة الأهل، وأما الواجب العرفي فهو ليس واجبًا شرعيًا؛ بيد أنه واجب من منطلق العُرْف والمروءة والإنسانية وحب الخير كما في قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ» ‎﴿الأعراف: ١٩٩﴾‏ فهو مثل تبرع بمال لمعسر، أو إهداء هدية لقريب، أو مساعدة شاب في زواج، فهذه الأشياء كلها ليست واجبة ومفروضة، وليست مرتبطة بالفقر والعوز والحاجة بقدر ما تكون دلالات ذوات مبادرات راقية ومعانٍ سامية ومساعٍ حانية مرتبطة بالسخاء والأريحية والإيثار والكرم، تنزع نحو توثيق الصلات ودعم العلاقات، وبخاصة بين الأسر والأهل وذوي القربى.

ومن روحانيات ونفحات تلك الآيات القرآنية الكريمة الحافلة بتلك النعم والخيرات التي أفاء الله بها علينا لننعم ونسعد بها نستلهم منها تلك التوجيهات والحدود من الأوامر والنواهي التي أمرنا رب العزة والجلال أن نعيها ونتمسك بها وبعدم تجاهلها وتجاوزها واللامبالاة بها، إذن علينا أن نقدّر تلك النعم والخيرات والعطايا والهبات ونحمد ونشكر الإله الوهاب الذي وهبنا إياها وأنعم بها علينا، فمن الواجب علينا أن نرعاها ونعتني بها ونحافظ عليها من الهدر والبذخ والتبذير والإسراف وسوء الاستخدام؛ ولكن دونما شح أو بخل أو إمساك أو تقتير؛ امتثالا لقول الرب تبارك وتعالى أصدق القائلين: « نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ‎﴿القمر: ٣٥﴾.‏

د. عبد الله محمد الشعلان

كلية الهندسة

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

التحقق البصري
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA