رسالة الجامعة التحرير:
أكد خبراء إعلاميون سعوديون أن الصراع لم يعد يُدار فقط عسكرياً، بل عبر "حروب السرديات"، مشيرين إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية أن الإعلام ليس ناقلاً محايداً، بل فاعلاً رئيسياً في تشكيل موازين القوة.
جاء ذلك أثناء ندوة نظمها كرسي د. إبراهيم المهنا لإعلام الطاقة والإعلام المتخصص وأدارها عبد الله بن شديّد تحت عنوان "السرديات الإعلامية... الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية"، في جامعة الملك سعود الخميس.
أكد د. إبراهيم المهنا مستشار وزير الطاقة؛ الترابط القوي والثابت بين أسعار البترول والإعلام، مشيرا إلى أن هذا الترابط يزداد أهمية خلال الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، "حيث يصبح الإعلام بوسائله المختلفة ليس فقط وسيلة الاتصال المهمة، بل الضابط لبوصلة السوق والأسعار".
وأوضح أنه مع بداية الهجوم الأمريكي على إيران في28 فبراير "كان نبض الأحداث متسارعاً جداً، وكذلك نبض أسعار البترول متذبذباً جداً حتى في اليوم الواحد، إلى درجة ضبابية المعلومات وعدم وضوح الحقيقة". وأضاف أن ذلك أدى إلى "ضعف وتشتت التغطية الإعلامية في الجوانب البترولية، وضعف التحليل البترولي الرزين".
وأشار إلى بروز قنوات إعلامية جديدة غير غربية، وعلى رأسها "روسيا اليوم"، التي جذبت الكثير من المتابعين، بينما "أغلب الإعلام العربي؛ صحافة وتلفزيون، فلم يكن على قدر الحدث"، محذراً من أن تداعيات الحرب على البترول "سوف تستمر ليس فقط لأشهر، بل ربما لسنوات قادمة".
من جانبه، أكد د. عبد العزيز بن سلمه وكيل وزارة الإعلام سابقا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُعد "غير مسبوقة من عدة جوانب"، مشيراً إلى أنها أول حرب تخوضها إسرائيل وأمريكا معاً دون تشاور مسبق مع حلفاء الناتو، مستذكراً تماثلاً تاريخياً مع حرب السويس عام 1956.
وكشف عن ثابتين أساسيين في التغطية الإعلامية الأوروبية: الأول يتعلق بالأمن العسكري، والثاني بالاقتصاد. وفيما يخص الأمن، لفت إلى "إحساس متزايد بالخذلان واهتزاز في الثقة من جانب الأوروبيين تجاه الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس ترمب"، مشيراً إلى مخاوف أوروبية من وصول الصواريخ البالستية الإيرانية إلى العمق الأوروبي.
كما أشار إلى تأثير حرب غزة على السردية الإسرائيلية، موضحاً أن إسرائيل حشدت كل مؤيديها في أوروبا، إلا أن كثيراً من الحوارات التلفزيونية "تميزت بالشراسة والمواجهات العنيفة بين المتبنين للدعاية الإسرائيلية والضيوف المعارضين". واستثنى الموقف الإسباني بقيادة سانشيز الذي رفض تقديم أي دعم أو تسهيلات للقوات الأمريكية، ووصف إسرائيل بأنها "وراء إشعال هذه الحرب".
لاحظ د. إبراهيم البعيّز رئيس قسم الإعلام السابق بجامعة الملك سعود أن وسائل الإعلام الأمريكية اعتمدت في البداية على "الرواية الرسمية الحكومية"، واصفة الحرب بأنها "عمل استباقي للحد من طموحات إيران النووية". لكن مع مرور الوقت، بدأت "بوادر الانعتاق من الرواية الرسمية تظهر، وارتفاع أصوات المعارضة للحرب".
وفي مقارنة بين الإعلام الأمريكي والبريطاني، قال البعيّز إن "الإعلام الأمريكي يتناول الحرب من منظور محلي، بينما الإعلام البريطاني من منظور دولي"، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام الأمريكية تميل إلى التركيز على "ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟"، بينما يحرص الجمهور العالمي على معرفة "ماذا يحدث للناس على أرض الواقع؟".
شدّد البروفيسور مطلق المطيري أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود أن ما تقوم به إسرائيل لا يُفهم فقط في إطارها العسكري التقليدي، بل "في إطارها الأوسع المرتبط بإدارة الإدراك وصناعة المعنى في الصراعات المعاصرة".
وشرح المطيري وهو مختص بالشأن الإسرائيلي أن السردية الإسرائيلية الموجهة إلى الجمهورين الأمريكي والأوروبي تعيد تعريف طبيعة التهديد الإيراني، بالنظر إلى أنها "لا تقدم إيران باعتبارها خصماً إقليمياً تقليدياً، بل باعتبارها تهديداً يتجاوز الجغرافيا والسياسة".
وخلص إلى أن السردية السردية الإسرائيلية "تعمل على ثلاثة مستويات رئيسية: إعادة تعريف التهديد، وشرعنة الفعل العسكري ضمن منطق وقائي، وتثبيت مكانة إسرائيل كحليف أمني أساسي للغرب"، معتبراً أن الجمهور أمام "نموذج متقدم في توظيف الإعلام والسرديات ضمن بيئة الصراع المعاصر، حيث تداخل السياسة بالأمن، والإعلام بالإدراك، في صياغة موازين القوة".
وأكد مشعل الوعيل عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام في جامعة الملك سعود أن طهران اعتمدت على سرديتين مختلفتين في تعاطيها الإعلامي، تتمثل الأولى في "خطاب موجّه للداخل الإيراني يركّز على تعبئة الرأي العام المحلي"، فيما تتجه السردية الثانية نحو "الإعلام الخارجي عبر رسائل سياسية وإعلامية تستهدف الجمهور الدولي والعربي".
وأوضح الوعيل المختص بالإعلام الرقمي أن مشروعا إعلاميا يتقاطع مع المشروع الثقافي الإيراني، لافتاً إلى أن طهران تنشط في عدد من الدول الأفريقية عبر" محاولات السيطرة على المراكز الثقافية واستخدامها كأدوات لتصدير الثورة الإيرانية في المنطقة".
واختتم الوعيل مداخلته بالتأكيد على أن الإعلام الإيراني أظهر قدرة على التكيف السريع مع تطورات الحرب، مستغلاً الانقسامات الغربية حيال الشراكة مع إسرائيل، وسعيا حثيثا لاستغلال موجة الانتقادات الأوروبية للسياسة الأمريكية في الفترة الرئاسية الثانية لدونالد ترمب، مشيراً إلى أن طهران تستثمر في "حرب السرديات" الموازية بقدر استثمارها في قدراتها الصاروخية، بل إن بعض المراقبين يعتبرون أن الإعلام الإيراني كان أكثر فعالية من بعض الأسلحة التقليدية في تحقيق أهداف إستراتيجية معينة.